عندما "وصلت الرّسالة" في نهار المصلّين والكادحين قبل 25 عاماًمجزرة بئر
العبد: الشّاهد الأنصع على الإرهاب والجريمة... والظّلم

تطلّ علينا بعد أيّام في 8 آذار، الذّكرى الخامسة والعشرون
لمجزرة بئر العبد؛ هذه المجزرة الرّهيبة التي سفكت فيها دماء المئات من
الأبرياء والكادحين من العمال والمصلّين، من الرِّجال والنِّساء... سواء
أولئك الَّذين كانوا في مواقع عملهم في الشّارع الرّئيس في بئر العبد، أو
الّذين صودف مرورهم، أو جموع المصلّين والمصلّيات الّذين كانوا جزءاً من
حركة الوعي التي انطلقت من مسجد الإمام الرّضا(ع) في بئر العبد... هذا
المسجد الّذي مثّل من خلال إمامه ـ دام ظلّه ـ منارةً ثقافيّةً وعباديّةً
وسياسيّةً خرّجت الجيل المبدع من الحالة الإسلاميّة ثقافةً ووعياً ومقاومةً
وجهاداً...
لم يكن مسجد الإمام الرّضا(ع) في بئر العبد محطّةً
عباديّةً يُحاصرها المكان، وتختنق في حدود "الضّاحية الضحيّة"... بل كان
منارةً تشعّ على العالم الإسلاميّ من قلب لبنان، ومن قلب القلب... من "النوّارة"
التي انطلقت منها ومنه الشّرارة التي أسقطت اتّفاق السّابع عشر من أيّار،
وفتحت الطّريق واسعاً لمقاومة زيّنت العالم الإسلاميّ بوعي أبنائها
ومجاهديها الّذين مثّلوا القبلة للأحرار والشّرفاء في العالم... ولا يزال
ربيعهم يمتدّ ويزدهر...
ولذلك كان الصّهيوني يرصد، وكان الأميركيّ يلاحق بشزر تلك
الشخصيّة الإسلاميّة الفذّة التي ألهبت لبنان والمحيط والعالم بدروسها
الرّوحيّة والثّقافيّة والسياسيّة العالية، وذلك العقل الّذي "ملأ الدّنيا
وشغل النّاس"... حيث بدأت الصّحافة الغربيّة تتحدّث عن "ثورة كاسيت" أخرى
تنطلق من مسجد بئر العبد... فكانت أشرطة سماحة السيّد ومحاضراته وخطبه
تصدَّر إلى الآلاف المؤلّفة من العطشى والجوعى لهذا الفكر الملهم، ولهذه
الرّوحيّة العالية الّتي بقيت عصيّةً على الاغتيال الجسديّ (بتوفيقٍ
وعنايةٍ من الله تعالى)... كما استعصى على جماعات التّكفير والتّضليل
والخرافة أن ينالوا من سموّها في كلّ محاولات الاغتيال المعنويّ الّتي ذهبت
أدراج الرّياح... وبقيت الحقيقة... واستقام الخطّ...
أطلق رئيس الاستخبارات المركزيّة في تلك الأيّام الّتي
سبقت الثّامن من آذار من العام 1985م كلمته الّتي نقلها ـ بعد ذلك ـ
الصّحافي الأميركيّ، "بوب وودورد" في كتابه "الحجاب": "لقد أصبح فضل الله
مزعجاً للسّياسة الأميركيّة وعليه أن يرحل"... وبدأ التّخطيط... وكانت
المجزرة... ووصلت "الرّسالة"، وحمى الله السيّد الذي أكمل رسالته؛ رسالة
الوعي، وانطلق التيّار الإسلاميّ الحركيّ بزخمٍ أكبر وباندفاعٍ أقوى... ومع
ذلك، فقد أريد لمجزرة بئر العبد أن تسقط من حسابات الذّاكرة في الدّاخل
والخارج، حتّى من حسابات أولئك الّذين اكتووا بنارها... لأنّ القصّة هي أن
تُنسَى الأشلاء والأبرياء والضّحايا والشّهداء... وأن نتناسى أنّ
الاستخبارات الأميركيّة و"الموساد" ارتكبوا الجريمة الكبرى بحقّ هؤلاء،
لأنّهم أرادوا أن "تُشطَبَ" من سجلّ الوعي في ملفّ الأمّة الكبير اسماً
ورمزاً وقائداً وعلماً ظلّ يؤرق حركتهم وخططهم... واستمرّ يُلهم الأجيال...
جيلاً بعد جيل...
مجزرة بئر العبد، العلامة الدّامغة على الإرهاب ـ إرهاب
الإدارة الأميركيَّة ـ أريد لها أن تُشطَب من الذّاكرة، لكي تستمرّ عمليّة
الاغتيال لشعبٍ مجاهدٍ مقاوم... ولكي تتواصل محاولات الاغتيال للمرجع الّذي
بقي رمزاً لأجيال الوعي في طول العالم العربيّ والإسلاميّ وعرضه، وفي جهات
البسيطة الأربع... والّذي ظلّ يرفض حسابات الجسد في حساب الأمّة الأكبر...
وظلّ يقهر التّعب والجهد في معركة المواجهة الكبرى بين جيوش الظّلمة وجحافل
الحكمة والعقل...
مجزرة بئر العبد... شاهدٌ حيّ... شاهدٌ على القتلة، وعلى
الموظّفين والمموّلين والعملاء... الّذين يتكرّرون في هذه الأيّام في
شبكاتٍ كبرى وصغرى تعمل لحساب الموساد، وفي بلدٍ مفتوحٍ لحساب هذه السّفارة
أو تلك...
ومجزرة بئر العبد شاهدٌ حيّ على الظّلم... وهي العصيّة على
كلّ المزوّرين، وإن أريد لها أن تختفي من ساحة الإعلام وميدان
"الاستثمار"؟!